ابن أبي الحديد
280
شرح نهج البلاغة
وأما قوله : " قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين " ، فمراده أمر عثمان وتقديمه في الخلافة عليه . ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا . ويبعد عندي أن يكون أراده ، لان المدة قد كانت طالت ، ولم يبق من يعاتبه ليقول : قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين ، فإن هذا الكلام يشعر بمعاتبة قوم على أمر كان أنكره منهم . وأما بيعة عثمان ، ثم ما جرى بينه وبين عثمان من منازعات طويلة ، وغضب تارة ، وصلح أخرى ، ومراسلات خشنة ولطيفة ، وكون الناس بالمدينة كانوا حزبين وفئتين : إحداهما معه عليه السلام ، والأخرى مع عثمان ، فإن ( 1 ) صرف الكلام إلى ما قلناه بهذا الاعتبار أليق . ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السلام الكثير من التوجد والتألم لصرف الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله عنه ، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة ، على أن قوله عليه السلام : " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما . وأما قوله : " حق وباطل " إلى آخر الفصل ، فمعناه كل أمر فهو إما حق ، وإما باطل ، ولكل واحد من هذين أهل ، وما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق ، ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ، ولعله ينتصر أهله . ثم قال على سبيل التضجر بنفسه : " وقلما أدبر شئ فأقبل " ، استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم ، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله : وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما * ذوي نبت جنبيه وجف المشارع فقلت إلى أن يرجع النهر جاريا * ويعشب جنباه يموت الضفادع
--> ( 1 ) ا : " وإن " .